ابن عربي
326
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
بحث في الأمية - [ تعريف الأمي والأمية ] الأمية لا تنافي حفظ القرآن ولا حفظ الأخبار النبوية ، ولكن الأمية عندنا من لم يتصرف بنظره الفكري وحكمه العقلي في استخراج ما تحوي عليه من المعاني والأسرار وما تعطيه من الأدلة العقلية في العلم بالإلهيات ، وما تعطيه للمجتهدين من الأدلة الفقهية والقياسات والتعليلات في الأحكام الشرعية ، فإذا سلم القلب من علم النظر الفكري شرعا وعقلا كان أميا ، وكان قابلا للفتح الإلهي على أكمل ما يكون بسرعة دون بطء ، ويرزق من العلم اللدني في كل شيء ما لا يعرف قدر ذلك إلا نبي أو من ذاقه من الأولياء ، وبه تكمل درجة الإيمان ونشأته ، وتقف بهذا العلم على إصابة الأفكار وغلطاتها ، وبأي نسبة ينسب إليها الصحة والسقم ، وكل ذلك من اللّه ، فإن الموازين العقلية وظواهر الموازين الاجتهادية في الفقهاء ترد كثيرا من الأمور ، إذ كان جله ومعظمه فوق طور العقل ، وميزانه لا يعمل هنالك ، وفوق ميزان المجتهدين من الفقهاء لا فوق الفقه ، فإن ذلك عين الفقه الصحيح والعلم الصريح ، وفي قصة موسى والخضر دليل قوي على ما ذكرناه ، فكيف حال الفقيه ؟ وأين الأينية وما شاكلها التي نسبها الشارع إلى الإله من الموازين النظرية والبراهين العقلية على زعم العقل وحكم المجتهد ؟ فالرحمة التي يعطيها اللّه عبده أن يحول بينه وبين العلم النظري والحكم الاجتهادي من جهة نفسه ، حتى يكون اللّه يحابيه بذلك في الفتح الإلهي والعلم الذي يعطيه من لدنه ، فيعطي البصر حقه في حكمه وسائر الحواس ، ويعطي العقل حكمه وسائر القوى المعنوية ، ويعطي النسب الإلهية والفتح الإلهي حكمهم ، فبهذا يزيد العالم الإلهي على غيره ، وهو البصيرة التي نزل القرآن بها في قوله تعالى : ( أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ) وهو تتميم قوله تعالى : « بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ » فهو النبي الأمي الذي يدعو على بصيرة مع أميته ، والأميون هم الذين يدعون معه إلى اللّه على بصيرة ، فهم التابعون له في الحكم إذ كان رأس الجماعة . والمجتهد وصاحب الفكر لا يكون أبدا على بصيرة فيما يحكم به ، فأما المجتهد فقد يحكم اليوم في نازلة شرعية بحكم ، فإذا كان في غد لاح له أمر آخر أبان له خطأ ما حكم به بالأمس في النازلة ، فرجع عنه وحكم اليوم بما ظهر له ، ويمضي حكمه في الأول والآخر ، ويحرم عليه الخروج عما أعطاه الدليل في اجتهاده في ذلك الوقت ، فلو كان على بصيرة لما حكم بالخطإ في النظر الأول ، بخلاف حكم النبي ، فإن ذلك صحيح ، أعني الحكم الأول ، ثم رفع اللّه ذلك الحكم بنقيضه